05:08 صباحا - 15 ربيع أول 1441 (13 نوفمبر 2019)
القائمة الرئيسية
المتواجدون
· الضيوف المتواجدون: 14

· الأعضاء المتواجدون: 3
Acqpwrkp, Akdokrdh, Ajctqjgw

· إجمالي الأعضاء: 1,318,886
· أحدث عضو: Akdokrdh
لوحة الإعلانات
لا توجد ازرار مضافة.
تحت شمس الصعيد

تحت شمس الصــعيد


هنـــاك ..
فى متاهات القرى والنجوع ..
فى طــرقات المـــدن الصغيره..
بين احضان النيل وشواطئ الترع والقنوات..
وسط الحقول والمــزارع .. مع صوت آلات الرى وطواحين القمح ..
مع الـــوان اجنحة الفراشات الجميله وطنين النحل الذى يداعب الأزهار طلباً لرحيقها الفــوّاح ..
تحت ظلال اشجار النخيل ..بجوار شريط السكه الحديد وصــافرة قطاراته السريعه ..
مع شقاوة الطفوله وصيد العقارب والأفاعى الصغيرة فى الأماكن المهجوره ..
حيث يسير كل شئ بهدوء شديد ونظام شبه محكم مشوب برتابه احياناً..
نشأت وتربيت ..
تألمت ..
حَلُمت .. فرحت وبكيت ..
عشت اياماً ورديــّه وأخرى رماديه ..
عاصرت حكايات ومشاهد يشيب لها الولدان..
كل هذا عشته وعايشته .. اختلط به جسدى وامتزج حتى صار دماً آخر يجرى فى عروقى ..
مع عادات وتقاليد تحكم حياة سكانها الذين تجمعهم أرضٌ واحـدة ونبع واحد ..
تحت شمــس التجارب والـِمحـنْ ..
شمــس الحــب والشهامه ..
شمس الصعيد .
**************************************
الصعيد ..
عندما يطرق سمعك هذا الأسم فقد ينتابك القلق والتوتر والخوف المبهم من شئ مجهول لا تدرى كُـنهه قط .. أليس كذلك ؟
هذا قد يحدث فعلاً لمن لا يعرف ماهية الصعيد ولا ما الذى يعنيه الإسم لشخص عاش وتربى بين احضانه فى أجواء نادراً ما تتكرر ويكتفى بما يسمعه من هنا وهناك ..
فهو فى ظنه يرتبط بالجريمه والجبال والقسوة والظلم والمعاملة الجافه والثأر والصرامه وهضم حقوق المرأة وكل هذه الأمور وإن كانت قليلة الحدوث فى ماضى الصعايدة إلا انها بالتأكيد ليست كلها حقائق مؤكده يعيشها ويتعايش بها سكانه .
والصعيد بداية هو المكان العالى المرتفع وهى حقيقه علميه وجغرافية إذ ان منسوب جنوب مصر يرتفع عن شمالها وهو سبب جريان نهر النيل من الجنوب الى الشمال ولتلك الحقيقه سمى الصعيد بذلك الاسم ..
وتمتاز تربته الطينيه بالخصوبه العاليه التى تمكن اهله من زراعة كل انواع النباتات التى تنمو فى البيئه الحارة بسهوله ويسر مع توفر مصادر المياه وهى نعمة امتنها الله على اهل الصعيد ..
والحياة فى صعيد مصر تختلف حتماً عن الحياة فى بقية بقاعها ..حيث يجتمع الخير والشر ..الحب والبغض .. الى قائمة طويلة من المتناقضات الأخرى التى يصعب وجودها احياناً فى مكان واحد ..
ولعل هذا هو السبب فى رسم الصوره القاتمه للصعايده ..فأبناء العمومه قد يحبون بعضهم بعضاً ويتكاتفون جداً امام الغريب المعتدى ولكنهم سرعان ما يأكلون بعضهم بعضاً اذا كان الأمر يتعلق بحق مشترك بينهم .. وهى الطبيعة القديمة لأبناء الصعيد والتى بدأت تزول مع الزمن وصعوبات الحياة ..
فالحميـّة والتعصب لأبناء البيت والعائلة والبلد كانت من الصفات المشتركة بين ابناء قرى ونجوع الصعيد والتى اذاب حواجزها وهذب اركانها الدين الحنيف والتعليم والانفتاح على ثقافات اهل المدينه والتى كانت من الموروثات القبليـّه التى نشأ عليها ابناء جلدتى من الصعايده والتى قد يكون سببها المباشر ان أغلب اصول الصعيد من القبائل العربيه التى كانت تتوطن الصحراء والتى نزحت بجوار نهر النيل وعاشت على خيراته مع سكانه الأصليين ومنها انقسمت قطاعاته وتجمعاته الى قرى ونجوع بعد ذلك ..
ولقد تلقى الصعيد من جراء ذلك من الاستخفاف بعقول أهله والاستهزاء بعاداتهم وتقاليدهم الكثير وسار على هذا الدرب الإعلام - بكل أشكاله - بالتحامل مره والتلميح والافتراء عليه احياناً ..
ولا زال الصعيد يتلقى الضربات من هنا وهناك .. بداية ً بإطلاق النِـكات والضحكات على تصرفات قله منه لم يُحسنوا تقديم صورة الصعيد بوجهه الجاد الحقيقىّ ولا شكله الواقعىّ الجميل فأساءوا لأنفسهم كثيراً واستغل البعض سقطاتهم تلك ليعلنوا ان الصعيد ما هو الا رمز من رموز التخلف والرجعية وسكانه مجموعه من السُــذج وناقصى العقل وثله من الحمقى ..
وظل الإعلام يساعد على انماء هذه الفكره المغلوطه الا قليلاً من بعض الكُتـّاب المحترمين الذين أبانوا فى كتاباتهم حق الصعيد وأهله وأنه صورة مصغره لأخلاق العرب وفرسانهم بكل ما تحمله كلمة ( فارس) من معانى الرجولة والشرف مع وجود الدين الاسلامى والتمسك بآدابه وقيّمه فكان النتاج نوراً على نور كما أعاد هؤلاء الكُتـّاب صورة الصعيد الواقعيه التى حاول البعض التقليل منها وخدشها بلا فائده.
وعلى الرغم من ذلك لا يخلوا انسان يحيا فى انحاء مصر من حب واحترام للصعيد وأبناءه تقديراً لأخلاقهم ومكانتهم واسهامهم فى كافة المجالات الحياتيّه وهذا واقع ملموس يشهد بكامل الحق لأصحابه ..
وحين نغوص فى اعماق الصعايدة نجد العجب العُجاب .. فعن الشهامة والمروءة والنخوة وإكرام الوفادة حدِثْ ولا حرج فهم ملوكها وامرائُها المتوّجين وهى اخلاق وسمات يشهد بها الوطن العربى كله – ليس فى مصر فحسب – فسمعة اهل الصعيد الطيبه تسبق خطواتهم دائماً ..
فمن بديهيات التربية الصعيديّـه اداء الواجب والأمانه وصيانة العِرضْ والشرف والدفاع عن المرأه والصغير والضعيف والبذل والعطاء بلا انتظار لشكر أو رد للجميل وإكرام الضيوف والغرباء حتى وإن كانوا من الأعداء واحترام الكبير وتوقيره والحرص على لمّ الشمل ومنع القطيعه وحب ذوى الأرحام وودهم واحترام الدين وشعائره وتعظيم قدر الصلاة فى القلوب وحب القرآن..
ولو تأملت لوجدتها كلها من اسمى المعانى والأخلاق التى حث عليها الإسلام وأمر بها موجوده فطرياً لدى هؤلاء القوم لا ينفكون عنها ابداً لذا احسد نفسى دائماً لأننى عشت بينهم وشربت من روائع قيمهم وطبائعهم ..
الصعايده هم أصحاب البشرة السمراء الفريده والمتدرجه مع تدرج محافظاتهم وقراهم بداية ً من ( اسوان ) اصحاب البشرة السمراء الداكنه ..اهل الطيبه والود والبراءه والفطره النقيه الى ( قنا ) اهل الشهامه والتفانى ..اصحاب الوصفات الشعبيه الرائعه والتى شهد لها الأطباء قبل العامه الى (سوهاج) اصحاب البشره القمحيّه ..مصنع الرجال اهل الكرم والنخوة والاعتداد بالنفس الى ( أسيوط ) اكبر محافظات الصعيد من حيث المساحه ..اهل العمل والجديه والاحترام الى ( المنيا ) .. زينة الصعيد وعروسه الجميله ..
لن يستطيع احد عاش بالصعيد ان يمحو اثاره وتأثيره من عقله وجسده ..فمن تربى تحت ارضه وسمائه ..بين جدران منزل وُلد وتربى فيه على محاسن الأخلاق والكرم وحسن معاملة الآخرين ..شخص لم يكن همه الا الحقل والمدرسه والمسجد والبيت ولا شئ سوى ذلك وهى كل الحياة لو اردنا الانصاف وليست الحياة المنغلقه كما قد يتندر بها البعض ..فالخلوه دائماً ما تكون سبباً فى سعة الأفق والتعمق بأمور الدين والدنيا حتى تتشربها النفس وينضج بها العقل وتصنع منها الشخصية تجاربها وسماتها ..
فطبيعة المكان تسطر معالم الذات والتكوين النفسىّ عادة أو كما يسميه الأطباء الطبيعة المكتسبه أو السمات الشخصيه أو الطبع الانسانىّ المكتسب .
أما عادة الثأر القبيحه والتى ينبذها الإسلام قبل القوانين والتشريعات البشريّه ففى طريقها والحمد لله للإنحسار بفضل الايمان بالله والتقوى والعلم والعمل حتى تبدو وكأنها ذكرى قديمه يذكرها البعض احياناً ..صارت اليوم فى طىّ النسيان فالصلح بين العائلات وتدخل اعضاء مجلسى الشعب والشورى وشيوخ وكبراء القرى ونمو الوعى الدينى والفكرى بين شباب الصعيد أزال هذه الرواسب الجاهلية من الأذهان واصبح العمل الجاد والحب المتبادل بين ابناء الصعيد هو القاسم المشترك فى تعاملاتهم بعكس الحال القديمه التى كانوا عليها ..
فالصعيد الآن يعيش ( حالة حضارة ) ونهضه شامله يؤيدها كل منصف خاصة فى ظل تمتع الصعيد بزيادة نسبة التعليم الأزهرىّ وهو الأمر الذى اسهم فى اندثار عادة الثأر بشكل غير مباشر..
وجه الصعيد اليوم اصبح مختلفاً عن ماضيه القريب والبعيد ..فعجلة التقدم والمدنيه والتحضر والثقافه والعلوم طالت كل شئ حتى يُخيل لزائر الصعيد حالياً انه فى واحده من المدن الجديده فالنظام والنظافه غلفت اركانه وطغت على شكله وتركيبته المألوفه ومع ذلك يظل محتفظاً بأصالة قيمه ومبادئه وهى اخلاق القرويين العريقه ..
تغير الصعيد شكلاً ومضموناً فحتى العقول تفتحت وأشرقت وابدعت وصارت تبهر وتنافس وتصل لأعلى المراتب ..فالجامعات والمعاهد التكنولوجيه المتخصصه تملأ محافظاته ومدنه الكبرى مع وجود شبكات الطرق والبنيه التحتيه والمصانع العملاقه والشركات والهيئات والإتحادات والجمعيات الأهليه وخطوط المواصلات والحدائق العامه وبيوت الثقافه ونوادى ومراكز الشباب المطوّره وكل مظاهر التقدم التى اصبح وجودها عادياً بمدن الصعيد وقراه النموذجيه ..
بل ان خريجوه حالياً يحمل قطاع كبير منهم الدكتوراه والماجستير والمؤهلات العليا على اختلاف تخصصاتها مروراً بالمواهب الخاصه كالعلماء والأدباء والإعلاميين بالإضافة الى قادة الجيش والشرطه والمناصب القياديه رفيعة المستوى ..
ولا ادرى فى هذه اللحظه هل اهنأ نفسى بانتمائى للصعيد أم اهنأ اهل الصعيد بصعيدهم ..
اننى اشكر الله العلىّ القدير على ما وهبه لأهل الصعيد من خير وفير وقيم انسانيه عاليه جعلت افراده نافعين لوطنهم وذويهم .. فقد صقلت تربية الصعيد عقولهم واجسادهم بحب العمل والقدرة على العطاء بلا حد أو نهايه ..
بالغ امتنانى لكل ما يحمله الصعيد ..لأرضه التى اقلتنى .. سمائه التى احتوتنى ..شمسه التى انارت لى طريقى واكسبتنى سمار بشرتى من لون اشعتها الذهبيه
تلك الشمس التى لازالت تسطع على اجيال جديده ..
تربيهم وتكسبهم دفئها وحنانها وتزرع فيهم الصبر والتحمل فى اطار البساطه المحببه تحت سقف العلم والإيمـــان ..
هذه هى أجمــل الشموس فى اعتقادى وظنى ..
وأكثرها حباً فى قلـــبى ..
فتحياتى لشمس ٍ غالية من شموسك يا مصر ..
شمس النبل والكرم ..
شمس الصعيد .
محمود سليمان

تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات حتى الآن.
المشاركة بتعليق
يرجى تسجيل الدخول للمشاركة بتعليق.
التصنيفات
التصنيف متاح للأعضاء فقط.

نرجو الدخول أو التسجيل للتصويت.

لم يتم نشر تصنيفات حتى الآن.
الدخول
الاسم

كلمة السر



لست عضواً بعد؟
إضغط هنا للتسجيل.

نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
إستفتاء الأعضاء
من يتحمل النسبة الأكبر فى صنع السعادة الزوجية ؟







يجب تسجيل الدخول للتصويت.
آخر الصور المضافه
الزيارات غير المكررة: 37,772,353 وقت التحميل: 0.01 ثانية